وكان أول ما صنعه الإسلام
في ذلك أن أهال التراب على العصبية بكل صورها، وحرم على المسلمين أن يحيوا أي نزعة
من نزعاتها أو يدعوا إليها، وأعلن النبي صلى الله عليه وسلم براءته ممن يفعل ذلك
قال:
"ليس منا من دعا إلى عصبية،
وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية".
فلا امتياز للون معين من
البشرة، ولا لجنس خاص من الناس، ولا لرقعة من الأرض، ولا يحل لمسلم أن يتعصب للون
على لون، ولا لقوم على قوم، ولا لإقليم على إقليم.
ولا يحل لمن يؤمن بالله
واليوم الآخر أن ينتصر لقومه في الحق والباطل والعدل والجور.
عن واثلة بن الأسقع قال:
"قلت: يا رسول؛ ما العصبية؟ قال: أن تعين قومك على الظلم".
وقال تعالى: (يا أيها الذين
آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) سورة
النساء:135. (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا) سورة المائدة:8.
وعدل النبي صلى الله عليه
وسلم مفهوم هذه الكلمة التي كانت شائعة في الجاهلية، ومأخوذة على ظاهرها "انصر أخاك
ظالما أو مظلوما". ولما قالها صلى الله عليه وسلم لأصحابه بعد أن رسخ في قلوبهم
الإيمان -مريدا بها معنى آخر- عجبوا ودهشوا، وقالوا: يا رسول الله: هذا ننصره
مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: "تمنعه من الظلم فذلك نصر له".
ومن هنا نعلم أن كل دعوة
بين المسلمين إلى عصبية إقليمية كدعوة (الوطنية) أو إلى عصبية عنصرية، كدعوة
(القومية) إنما هي دعوة جاهلية يبرأ منها الإسلام ورسوله وكتابه.
فالإسلام لا يعترف بأي ولاء
لغير عقيدته، ولا بأي رابطة غير أخوته ولا بأي فواصل تميز بين الناس غير الإيمان
والكفر. فالكافر المعادي للإسلام عدو للمسلم ولو كان جاره في وطنه، أو أحد بني
قومه، بل ولو كان أخاه لأبيه وأمه. قال تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم
الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو
عشيرتهم) المجادلة:21. وقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم
أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان) سورة التوبة:23.
.jpg)